محمد متولي الشعراوي
6100
تفسير الشعراوى
غمّة « 1 » ، ثم اقضوا إلىّ ما اتفقتم عليه من حكم ونفّذوه ولا تؤجلوه ، فهل هناك تحدّ للخصم أكثر من ذلك ؟ لقد كانوا خصوما معاندين ، ظل نوح - عليه السّلام - يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وصبر عليهم كل هذا الوقت ، ولا بد - إذن - من حدوث فاصل قوى ، ولهذا كان الترقّى في التحدي ، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء ، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه ، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم . والنفسية العربية - على سبيل المثال - حين سامحت ، وصبرت ، وصفحت في أمر لا علاقة له بمنهج اللّه ، بل بأمر يخص خلافا على الأرض ، تجد الشاعر العربي يقول عن « بنى ذهل » الذين أتعبوا قوم الشاعر كثيرا ، ولكن قومه صفحوا عنهم ؛ يقول الشاعر « 2 » : صفحنا عن بنى ذهل * وقلنا : القوم إخوان عسى الأيام أن يرجع * ن قوما كالذي كانوا فلما صرّح الشرّ * فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا * ن دنّاهم كما دانوا مشينا مشية الليث * غدا والليث غضبان
--> ( 1 ) غم الشئ يغمه - كنصر - غما : أخفاه وغطاه وستره وغمه الأمر : كربه وأحزنه ، قال تعالى : فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) [ الأنبياء ] والغمة : التباس الأمر وعدم وضوحه ، قال تعالى : ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً . . ( 71 ) [ يونس ] وقال : وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ . . ( 160 ) [ الأعراف ] ( 2 ) هو شهل بن شيبان ويلقب بالفند الزّمّانى ، توفى نحو 70 ق ه ، من بنى بكر بن وائل . شاعر جاهلي سمى الفند لعظم خلقته تشبيها بالقطعة من الجبل وهي الفند . ( الأعلام للزركلي 3 / 179 ) .